ابن فرحون
304
تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط القاهرة )
السفر إلى إخوته استعمل سلما طويلا مفصلا يتركب بعضه في بعض ، وهو اليوم موجود في الحرم الشريف . فلما حاذى المدينة ساروا إليها مع جماعة يسيرة من أصحابه ونصب السلم على الحصن ودخله على غفلة ، وذلك في ليلة السبت ثامن عشرين شهر كذا من السنة المذكورة وكمن في الحصن إلى الصباح ، ولم يكن بالمدينة غير كبش بن منصور ، فظن مقبل أن أهل المدينة لا يواجهونه بالمقاتلة نهارا ، وأن كبشا ينجو بنفسه من الذبح هاربا فلما علم بهم كبش استصرخ بأهل المدينة فأصرخوه وقاتلوا معه ، فقتل الأمير مقبل وقتل أيضا أبناء أخيه جوشن وقاسم أبناء قاسم ابن جماز ، فعظمت الواقعة على أولاد مقبل وإخوته ، فقدموا عليهم الأمير ودي ابن جماز وقاموا في طلب الثأر ، واستحكم بينهم الفساد ، وكثرت بينهم الحروب ، وعظمت على منصور النفقات للجيوش . فلما كان في سنة ست عشرة وسبعمائة حصل له ضيق وشدة ، فطلب من الخدام المخبزين ألف درهم من كل واحد ، فامتنعوا وقالوا : لا نفعلها سنّة أبدا ، فأنزل منهم جماعة في الجبّ ، فجاءه بعض المجاورين وقالوا : نحن نتقدمهم في النزول ، ووقع في ذلك كلام كثير ، ثم فرج اللّه عنهم . فبلغ ذلك السلطان ، فأمر أمير الحاج المصري بمسك منصور ، فلما قدم أمير الحاج مسك الأمير منصور وولده كبش وسار بهما معتقلين إلى مصر ، فلما دخل الركب إلى القاهرة رسم عليهما في دار الضيافة نحو شهر ، ثم استدعاهما السلطان الملك الناصر ، وتهددهما على ما فعل منصور ، وشرط عليه شروطا أنه لا يؤذي المجاورين والخدام ، وأنّ ولده كبشا يحمل عياله إلى مصر ويقيم عند السلطان ، ثم أخلع عليهما وخلّا سبيلهما .